صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

196

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

كنت أرى أثر المخيط في صدره « 1 » . ولا شك في أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوّة ، وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير اللّه . فلا يحل في قلبه شيء إلّا التوحيد ، وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك ، فلم يرتكب إثما ، ولم يسجد لصنم . أما معجزة شق الصدر الثانية فكانت ليلة الإسراء « 2 » . وتوفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة وهو في السادسة من عمره « 3 » . وقد ترك يتم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في نفسه أعمق الأثر فكان قد ولد يتيم الأب ، ثم فقد أمه في طفولته ، وقد بيّن الزهري أن جده عبد المطلب كفله ورعاه « 4 » ، غير أن جده ما لبث أن توفّي ، بعد أن أوصى ولده أبا طالب برعايته « 5 » . وكان صلّى اللّه عليه وسلّم قد بلغ الثامنة ، ولا شك في أن أثر ذلك كان كبيرا على أحاسيسه ، لما كان يحبوه به جده من العطف والرعاية « 6 » . وقد وردت روايات تفيد عطف أبي طالب عليه وتعلقه به ، ومما يدل على شدة محبة أبي طالب إياه صحبته له في رحلته إلى الشام « 7 » . ولعل ضيق حال عمه أبي طالب قد دفعه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى العمل لمساعدته فرعى له غنمه ، كما رعى لأهل مكة على قراريط « 8 » . حياة العمل والكدح : عمد محمد صلّى اللّه عليه وسلّم منذ أن أضحى يعيش في كنف عمه أبي طالب إلى مساعدته ، ولا سيّما أن أبا طالب كان في أشد الحاجة للمساعدة لفقره وكثرة عياله ، فاشتغل برعي الأغنام في شعاب مكة وفجاجها . وقد ثبت في الحديث الصحيح قيامه بهذا العمل ، حيث روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما بعث اللّه نبيّا إلّا رعى الغنم » . فقال أصحابه : وأنت ؟ فقال : « نعم ، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة » « 9 » . وفي رعي الغنم ما فيه من تهيئة اللّه سبحانه وتعالى لنبيه لتلقي الرسالة والقيام بأمر الدعوة . ويورد الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث خلاصة أقوال العلماء في ذلك فيقول : « الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكفلونه من القيام بأمر أمتهم ، ولأن في مخالطتها ما يحصّل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى ، ونقلها من مسرح إلى مسرح ، ودفع عدوها من سبع وغيره ، كالسارق ، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها ، مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ، ألفوا من ذلك الصبر على

--> ( 1 ) مسلم - الصحيح ( كتاب الإيمان - باب الإسراء / 74 ، شرح النووي على مسلم 2 / 216 ، ابن هشام - السيرة 1 / 166 . ( 2 ) البخاري - الصحيح - كتاب الصلاة - ( الفتح 1 / 458 ، 3 / 492 ، 6 / 374 ) ، مسلم - الصحيح 1 / 148 . ( 3 ) ابن سعد - الطبقات 1 / 116 - 117 ، ابن هشام - السيرة 1 / 155 ، أبو نعيم - دلائل النبوة 1 / 118 . ( 4 ) الصنعاني - المصنّف 5 / 318 . ( 5 ) ابن سعد - الطبقات 1 / 117 - 119 . ( 6 ) البيهقي - دلائل النبوة 2 / 21 - 22 ، ابن سعد 1 / 112 - 113 ، الحاكم - المستدرك 2 / 603 - 604 ، الذهبي - تقريب ص 293 . ( 7 ) ابن سيد الناس - عيون الأثر ص / 40 ، وانظر : الترمذي - جامع 5 / 590 ، الحاكم - المستدرك 2 / 615 ، الطبري - تاريخ 2 / 277 . ( 8 ) البخاري - الصحيح ( فتح 4 / 141 ، 6 / 438 ) ، مسلم - الصحيح ( شرح النووي 14 / 605 ) . ( 9 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 4 / 516 حديث رقم 2262 ) ، وانظر صحيح مسلم ( بشرح النووي ) 1 / 5 - 6 .